المواطن الخبير في كل شيء .. لماذا لم يعد هناك أي احترام للتخصصات؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

"نعرف أن فيروس نقص المناعة البشرية هو مسبب مرض الإيدز".. بهذه العبارة المقتضبة أنهت وزيرة الصحة الجنوب إفريقية السابقة "بارابارة هوجان" في أكتوبر من عام 2008 عشر سنوات مخزية من إنكار جنوب إفريقيا لحقيقة مرض الإيدز، فقد خلالها أكثر من 300 ألف جنوب إفريقي حياتهم لأن رئيس بلادهم لا يحترم العلم ويؤمن بالخرافات.

 

 

بدأت المأساة في أوائل تسعينيات القرن الماضي حين ظهر فجأة عدد صغير من الباحثين الذين ينكرون أن فيروس نقص المناعة البشرية "إتش آي في" (HIV) هو مسبب متلازمة نقص المناعة المعروفة باسم مرض الإيدز، وذلك في تحد واضح لحالة الإجماع العلمي السائدة في ذلك الوقت بين كل متخصصي الأمراض الفيروسية حول العالم.

 

النظرية المشبوهة التي تبناها الرئيس

 

قال هؤلاء الباحثون الذين كان من بينهم أستاذ البيولوجيا الجزيئية والبيولوجيا الخلوية بجامعة كاليفورنيا "بيتر دويسبرج" إن سبب مرض الإيدز ليس فيروس "إتش آي في" وإنما عوامل أخرى مثل الفقر والجوع وسوء التغذية والتلوث البيئي وغيرها من العوامل التي تؤدي إلى انهيار الجهاز المناعي.

 

هذا الادعاء الغريب والمفاجئ اتخذه المجتمع العلمي على محمل الجد وبدأ دراسته، ولكن سرعان ما اكتشف أنه لا أساس له من الصحة، وحين تمت مواجهته لم يستطع "دويسبرج" نفسه أن يفسر لماذا لا يأتي هذا المرض إلا للمصابين بالفيروس، ولماذا تتحسن صحة المريض حين يأخذ المضادات التي تثبط عمل الفيروس وتوقف نشاطه ليعود الجهاز المناعي إلى حالته الطبيعية ويتعافى المريض.

 

بعد فشله في إثبات نظريته الشاذة أصبح "دويسبرج" منبوذًا من قبل الأوساط العلمية حول العالم، ولكن لسوء حظ الشعب الجنوب إفريقي، حظيت هذه النظرية المشبوهة في أواخر التسعينيات باهتمام رئيس بلادهم في ذلك الوقت "تابو إيمبيكي"، قبل أن يتبناها ويتسبب بذلك في فقد مئات الآلاف من شعبه لأرواحهم وتدهور حياة ملايين آخرين.

 

 

أدار "إيمبيكي" ظهره للإجماع العلمي الذي يشير إلى أن السبب في مرض الإيدز المنتشر في جنوب إفريقيا في ذلك الوقت هو فيروس "إتش آي في" وتبنى نظرية "دويسبرج" وهو ما دفعه للامتناع عن شراء مضادات الفيروس ورفض كل أشكال المساعدة الدولية الهادفة لمكافحة انتشار "إتش آي في" في جنوب إفريقيا، كان يرى أن الحل هو مكافحة الفقر في البلاد وليس الأدوية الغربية باهظة التكلفة.

 

تمسك الرئيس "إيمبيكي" بموقفه إلى أن ترك السلطة في سبتمبر من عام 2008، لتسارع الحكومة الجديدة بالاعتراف بالحقيقة التي أنكرتها جنوب إفريقيا لسنوات، ولكن بعد ماذا؟ تشير دراسة أجرتها كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد إلى أن إنكار "إيمبيكي" تسبب في موت 330 ألف شخص دون داع وولادة 35 ألف طفل مصاب بفيروس "إتش آي في".

 

الطريف هو أنه حتى اللحظة لا يزال "إيمبيكي" مقتنعًا بصحة موقفه، وفي حين أن أغلبنا قد يسخر من هذا القدر من الجهل والإنكار ويدعي أنه لا يمكن له أن يرتكب مثله إلا أننا لا يجب أن نكون واثقين جدًا من قدراتنا خصوصًا حين يتعلق الأمر بإبداء الرأي فيما نجهله.

 

لنحارب في أوكرانيا التي تقع في أستراليا!

 

في عام 2014 استطلعت "واشنطن بوست" آراء الأمريكيين حول ما إذا كان يجب على الولايات المتحدة التدخل عسكريًا في النزاع الذي نشأ في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في ذلك العام، وقبل أن نستعرض نتائج الاستطلاع يجب توضيح نقطتين:

 

أولًا، التدخل العسكري الأمريكي في هذا النزاع أمر جلل؛ فالولايات المتحدة وروسيا خصمان سابقان لطالما دارت بينهما مناوشات خلال الحرب الباردة، كما أن اندلاع نزاع عسكري في وسط أوروبا بجانب الحدود الروسية يرفع من احتمال خروج الأمر عن نطاق السيطرة ونشوب حرب عالمية ثالثة بين قوى مسلحة نوويًا.

 

 

ثانيًا، وفقًا للصحيفة فشل 5 من بين كل 6 من المستطلعة آراؤهم في تحديد موقع أوكرانيا على الخريطة، فقد كان متوسط المسافة بين المواقع التي حددوها وبين الموقع الصحيح لأوكرانيا التي تعد أكبر دولة تقع بكاملها في أوروبا حوالي 1800 ميل.

 

المثير للقلق هو أن افتقارهم للحد الأدنى من المعرفة بطبيعة الموقف لم يمنعهم من إبداء آراء حاسمة تجاه المسألة، فقد عبرت أغلبية المستطلعة آراؤهم عن حماس شديد تجاه التدخل الأمريكي في أوكرانيا، بعبارة أخرى، هؤلاء الذين كانوا يعتقدون أن أوكرانيا في أمريكا اللاتينية أو في أستراليا كانوا متحمسين بشدة لاستخدام أمريكا للقوة العسكرية.

 

مشكلة هؤلاء هي ذات المشكلة التي يعاني منها الكثير من زملائنا وأصدقائنا وأفراد عائلاتنا وغيرهم من المحيطين بنا في كل مكان، منهم الغني والفقير والمتعلم والذي ينظر على العالم من نافذة حاسوبه أو كتابه. والمشترك بين هؤلاء جميعًا هو أنهم أناس عاديون لا يجدون حرجًا في إبداء آراء قاطعة في المواضيع المتعلقة بالأمن والسياسة والاقتصاد والطب والذرة والتغذية وغير ذلك، رغم أنهم قد يجهلون أبسط الأسس التي تقوم عليها هذه العلوم.

 

 

واقتناعًا منهم بأنهم أكثر إطلاعًا من الخبراء وأكثر حيازة للمعرفة من أساتذة الجامعات وأصحاب نظرة ثاقبة يفتقر إلى مثلها غيرهم من العامة يبادر هؤلاء إلى لعب دور المفسرين الذين باستطاعتهم رؤية الحكمة الكامنة وراء كل شيء تقريبًا، ونادرًا ما يقول أحدهم: "لا أعرف".

 

وللأسف اتسع نطاق هذه الظاهرة بشكل كبير خلال العقدين الماضيين، وخصوصًا بعد أن سمح الإنترنت لعدد كبير من الناس بالوصول إلى كم هائل من المعلومات، ولكن التعرض لهذا الكم من المعلومات التي يعتبر أكثرها غير موثوق بها ساهم في وقوع الكثير من العامة فريسة لما يسمى بوهم المعرفة.

 

خطورة الاستخفاف بالخبرة

 

الإنترنت عبارة عن بوفيه مفتوح به عدد لا يحصى من الحقائق والشائعات والأكاذيب والخرافات والتحليلات الجادة والدعاية الفجة، ومن بين كل هذا يختار المرء ما يروق له بعد أن يستسلم لما يسميه علماء النفس "التحيز التأكيدي" وهو البحث عن المعلومات التي تؤكد آراءنا ومعتقداتنا الحالية في حين نتجاهل تلك التي قد تدحض هذه الآراء والمعتقدات.

 

الفضاء العام في أغلب دول العالم أصبح مسيطراً عليه من قبل أناس ضعيفي الخبرة لا يؤمنون بأهمية التخصص، ويمتلكون قدراً كبيراً من الثقة والجرأة يدفعهم لإبداء آرائهم دون خجل في مواضيع علاقتهم بها لا تختلف عن علاقة سائق الأجرة بعلوم الذرة.

 

 

وحقيقة الأمر هي أنه ينبغي للجميع الاعتراف بحدود معرفته واحترام خبرات وتخصصات الآخرين، والتسليم بتلك الحقيقة أمر غير سهل على الكثير من الناس لأنه يقوض إحساسهم بالاستقلال الذاتي، فكل إنسان يريد أن يعتقد أنه قادر على اتخاذ جميع القرارات وعلى إبداء رأيه بحرية في كل الموضوعات، وقد يشعر بالضيق من الشخص الذي يصحح له ما أخطأ فيه أو يرشده إلى أمور لا يفهمها.

 

وما سبق هو رد الفعل الإنساني الطبيعي على مستوى الأفراد، ولكن المشكلة هي أن يتحول هذا الضيق بالخبراء والفتوى بغير علم في كل التخصصات إلى سمة مشتركة بين مجتمعات بأكملها، والأخطر من ذلك هو أن يكون من لا يحترم لا العلم ولا التخصصات هو شخص نافذ بيده مصير أمة كما حدث في حالة جنوب إفريقيا مع الإيدز.

 

والأمر نفسه يتكرر حاليًا مع أزمة "كوفيد-19" أو فيروس كورونا مع رفض دولتي بوروندي وتنزانيا استقبال اللقاحات المضادة للفيروس في ظل شكوك من قادة الدولتين حولها.

 

المصادر: أرقام – الجارديان – نيويورك تايمز – واشنطن بوست – هارفارد

كتاب: The Death of Expertise

أخبار ذات صلة

0 تعليق